السيد محمد باقر الصدر
120
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
محدودة ومنخفضة أيضاً . إذن المثل الأعلى هو نقطة البدء في بناء المحتوى الداخلي للجماعة البشرية ، وهذا المثل الأعلى يرتبط في الحقيقة بوجهة نظر عامة إلى الحياة والكون ، يتحدّد من قبل كل جماعة بشرية على أساس وجهة نظرها العامة نحو الحياة والكون ، على ضوء ذلك تحدّد مثلها الأعلى ، ومن خلال الطاقة الروحية التي تتناسب مع ذلك المثل الأعلى ومع وجهة نظرها إلى الحياة والكون ، تحقق إرادتها للسير نحو هذا المثل وفي طريق هذا المثل . إذن هذا المثل الأعلى هو في الحقيقة أيضاً يتجسّد من خلال رؤية فكرية ، ومن خلال طاقة روحية تزحف بالإنسان في طريقه . وكل جماعة اختارت مثلها الأعلى ، فقد اختارت في الحقيقة سبيلها وطريقها ومنعطفات هذا السبيل وهذا الطريق . كما رأينا أنّ الحركة التاريخية تتميّز عن أيّ حركة أخرى في الكون بأ نّها حركة غائية ، حركة هادفة ، كذلك تتميّز وتتمايز الحركات التاريخية أنفسها بعضها عن بعض بمثُلها العليا ، فلكلّ حركة تاريخية مثلها الأعلى ، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدّد الغايات والأهداف ، وهذه الأهداف والغايات هي التي تحدّد النشاطات والتحرّكات ضمن مسار ذلك المثل الأعلى . والقرآن الكريم والتعبير الديني يطلق على المثل الأعلى في جملة من الحالات اسم الإله ، باعتبار أنّ المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجّه ، وهذه صفات يراها القرآن للإله ، ولهذا يعبّر عن كل من يكون مثلًا أعلى ، كل ما يحتل هذا المركز ، المثل الأعلى يعبّر عنه بالإله ؛ لأنّه هو الذي يصنع مسار التاريخ ، حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى : « أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » « 1 »
--> ( 1 ) الفرقان : 43